مؤلف مجهول
49
الإستبصار في عجايب الأمصار
منه « 1 » . والجانب الغربى من هذه المدينة جبل أبيض كأنه طيلسان « « ا » » ، ويحيط بها من الجانب الشرقي النيل كأنه جدول فضة ، قد تشبكت عليه في الأرض الأشجار والكروم ، فلا تسمع فيه الكلام من شدة أصوات الطيور « 2 » . ولنيل مصر في زيادته ونقصانه عجائب كثيرة ، عرضنا عن ذكرها لكثرة معرفة الناس بها . وليلة الغطاس بمصر من أعجب شئ ؛ وتسمى في هذا الزمان كسر الخليج ، وهي لعشر تمضى من كانون الآخر « « ب » » وهو بلغة الروم ينّير ؛ وذلك الوقت يستوى مد النيل ويأخذ في الانحطاط . وأصفى ما يكون ما النيل في ذلك الوقت . ولهذه الليلة بمصر شأن عظيم ، وذلك أنه يخرج تلك الليلة جميع البشر ممن يقدر على الخروج تلك الليلة وقد أعدوا ما أمكنهم من الأطعمة والأشربة ، ولبسوا أحسن ما عندهم من الملابس ، وأظهروا ما أمكنهم من الجواهر وأواني الذهب والفضة ، وأحضروا جميع الملاهي . ويدخل الناس في الزوارق ، ومنهم من يدخل في الدور المشرفة على النيل ، ويشعلون المشاعل « « ج » » والشمع الكثير . ويشعل صاحب مصر الشمع على جانب النيل « « ج » » ، فيحرق في تلك الليلة بمصر من الشمع ما لا يحصى عدده ؛ فترى الناس على شطوط النيل في الزوارق ، ومنهم في الدور المشرفة على النيل بالطبول والأبواق وجميع الملاهي . وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأكملها سرورا ؛ ويغطس أكثر الناس في النيل ، ومن لم يغطس يرش عليه من الماء ، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض « 3 » . قال عمرو بن العاص : « ولاية مصر تعدل الخلافة » « 4 » ، لأنها جعلها اللّه متوسطة بين الإقليم الثالث والرابع ؛ سلمت من حر الإقليم الأول والثاني ، ومن برد الإقليم الخامس والسادس . وقال الجاحظ : « أهل مصر أعقل الناس صغارا
--> « ا » القراءة في النص « سيلطان » ولكنها « طيلسان » في البكري ( المخطوط ، ص 11 ) . « ب » ج : كانون الأول الآخر . « ج » الجمل الواقعة بين ( ج ) ، ( ج ) ناقصة في ج . ( 1 ) البكري ، المخطوط ، ص 11 ؛ وانظر فيما بعد هامش 3 ص 84 . ( 2 ) البكري ، المخطوط ، ص 11 . ( 3 ) البكري ، المخطوط ، ص 9 ؛ المسعودي ، مروج الذهب ، ج 2 ص 364 - 365 ( المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 494 ) ؛ ياقوت ، معجم البلدان ، ج 4 ص 866 ؛ المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 60 ، 264 - 265 . ( 4 ) البكري ، المخطوط ، ص 11 ؛ النجوم الزاهرة ، ج 1 ص 32 - 33 ؛ المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 27 .